ابن أبي العز الحنفي

129

شرح العقيدة الطحاوية

الامتناع من قولنا : لم يزل الحادث ممكنا ، فقد لزمهم فيما فروا إليه أبلغ مما لزمهم فيما فروا منه ! فإنه يعقل كون الحادث ممكنا ، ويعقل ان هذا الامكان لم يزل ، وأما كون الممتنع ممكنا فهو ممتنع في نفسه ، فكيف إذا قيل : لم يزل امكان هذا الممتنع ؟ ! وهذا مبسوط في موضعه . فالحاصل : أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا ؟ أو في المستقبل فقط ؟ أو الماضي فقط ؟ فيه ثلاثة أقوال معروفة لأهل النظر من المسلمين وغيرهم : أضعفها : قول من يقول ؛ لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل ، كقول جهم بن صفوان وأبي الهديل العلاف . وثانيها قول من يقول : يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي ، كقول كثير من أهل الكلام ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم . والثالث : قول من يقول : يمكن دوامها في الماضي والمستقبل ، كما يقوله أئمة الحديث ، هي [ من ] المسائل الكبار . ولم يقل أحد يمكن دوامها في الماضي دون المستقبل . ولا شك أن جمهور العالم من جميع الطوائف يقولون : ان كل ما سوى اللّه تعالى مخلوق كائن بعد أن لم يكن ، وهذا قول الرسل وأتباعهم من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم : ومن المعلوم بالفطرة أن كون المفعول مقارنا لفاعله لم يزل ولا يزال معه - ممتنع [ محال ] ، ولما كان تسلسل الحوادث في المستقبل لا يمنع أن يكون الرب سبحانه هو الآخر الذي ليس بعده شيء ، فكذا تسلسل الحوادث في الماضي لا يمنع أن يكون سبحانه وتعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء . فان الرب سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال ، يفعل ما يشاء ويتكلم إذا يشاء . قال تعالى : قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ آل عمران : 40 . وقال تعالى : وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ البقرة : 253 . وقال تعالى : ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ . فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ البروج : 15 - 16 . وقال تعالى : وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ لقمان : 27 . وقال تعالى : قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي